من محمد عبدالعزيز
(تقرير) الخرطوم - 9 - 1 (كونا) -- يدخل السودان عام 2026 على وقع حرب مستمرة لم تظهر مؤشرات جدية على إنهائها بقدر ما ينزلق بصورة أكثر عمقا في حالة من الجمود العسكري والتفكك السياسي مصحوبة بأزمة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث.
ومنذ اندلاع القتال في أبريل عام 2023 تحول النزاع من مواجهة ثنائية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى حرب متعددة المستويات تحولت سريعا من صراع على السلطة إلى حرب واسعة تغذيها اعتبارات السيطرة على المدن والموارد وخطوط الإمداد مع تسجيل انتهاكات جسمية.
وتسببت الحرب المستمرة في استنزاف المدن وانهيار متواصل للخدمات فيما تظل مسارات التفاوض بين طرفي النزاع معلقة بين مبادرات متفرقة وغياب آليات تنفيذ وضمانات رادعة الأمر الذي تسبب في تسارع كلفة الحرب على المدنيين ومنها نزوح بالملايين وانهيار مرافق صحية وأزمة غذاء مرشحة للتفاقم في الأشهر المقبلة.
وتبرز هنا (دارفور) بوصفها إحدى أكثر الجبهات مأساوية فقد زارت بعثة إنسانية أممية مدينة (الفاشر) لأول مرة منذ سقوطها بيد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025 ووصفت الوضع هناك بأنه "قاس" حيث تعاني المدينة من نقص حاد في الغذاء والمأوى والرعاية الطبية والمياه النظيفة مع تسجيل انتهاكات واسعة.
هذا المشهد يعكس تحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى حرب على "شروط الحياة" داخل المدن مثل قطع الطرق وتعطيل الأسواق واستهداف البنية الصحية والإنسانية ما يجعل أي حديث عن التهدئة مجرد حبر على ورق وبلا أثر ملموس على الأرض.
وتشير التقديرات الأخيرة إلى تسجيل ما بين 12 و13 مليون نازح ولاجئ منذ بدء الحرب ما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم حاليا فيما حذر (برنامج الغذاء العالمي) من أن الجوع مرشح للتفاقم بدءا من فبراير 2026 في ظل نفاد المخزونات واستمرار القتال وهو ما يتطلب فتح ممر إنساني آمن.
وتبرز هنا أهمية مسارات التسوية واستمرار التحرك الدبلوماسي لحل الأزمة لاسيما الخطة الثلاثية التي طرحت عبر (منصة جدة) وتتضمن إيقاف الحرب وتسهيل دخول المساعدات ومسارا نحو انتقال مدني.
وترى القيادة العسكرية السودانية أن عام 2026 قد يشهد تحولا في ميزان القوى استنادا إلى مكاسب ميدانية حققها الجيش خلال الأشهر الماضية حيث أدت استعادة ولايات (الخرطوم) و(الجزيرة) و(سنار) وأجزاء من ولايات (نهر النيل) و(النيل الأبيض) وشمال (كردفان) إلى تعزيز الأفضلية العملياتية للجيش وتقليص قدرة قوات الدعم السريع على المناورة في العمق.
ويشير الكاتب الصحفي الطاهر ساتي في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) إلى أن الجيش لم يرفض من حيث المبدأ المبادرات الجادة للتسوية لا سيما تلك التي طرحت عبر منبر (جدة) وتضمنت انسحاب القوات من المدن وحماية المدنيين والحد من الأضرار الإنسانية.
وأضاف ساتي في الوقت نفسه أن هذه المرونة وفق هذا الطرح تبقى مشروطة بالحفاظ على وحدة الدولة واحتكار السلاح داخل مؤسسة عسكرية مركزية معتبرا أن أي تسوية لا تفضي إلى دمج قوات الدعم السريع ضمن هيكل موحد تظل غير مقبولة.
وفي قراءة مغايرة يقلل الناشط السياسي نجم الدين دريسة في تصريح مماثل ل (كونا) من قدرة هذه المكاسب على إحداث تحول استراتيجي حاسم معتبرا أنها تندرج في إطار تغييرات موضعية في خريطة السيطرة.
ويشير دريسة إلى أن قوات الدعم السريع ما زالت تحتفظ بقدرة الحركة والتأثير في مساحات من غرب البلاد ما يجعل من الصعب ترجمة التقدم العسكري الأخير إلى نهاية للصراع.
لكن هذا التقدير العسكري يصطدم وفق محللين بواقع سياسي أكثر تعقيدا إذ يرى المحلل عزت خيري في تصريح ل (كونا) أن الصراع تجاوز منذ وقت طويل منطق الحسم العسكري ليدخل مرحلة "التوازن السلبي" معتبرا أن "الأوضاع الميدانية ترسخ حالة من الجمود العسكري ما يجعل الحرب قابلة للاستمرار دون أفق حسم".
ويوافق دريسة على هذا التوصيف معتبرا أن تعدد مراكز القوة الفعلية على الأرض وغياب إطار سياسي واقعي ساهما في تثبيت هذا التوازن وتحويله من حالة عسكرية مؤقتة إلى مأزق سياسي مفتوح.
وفي هذا السياق يشير خيري إلى تصاعد نفوذ قوى محلية مسلحة يصفها ب "بنادق المناطق" وهي مجموعات تنخرط شكليا ضمن التحالفات الكبرى لكنها عمليا معنية بالسيطرة المحلية والتمكن الميداني.
وفي ظل استمرار هذه المعادلة يحذر محللون من اقتراب السودان من سيناريو "التقسيم غير المعلن" في ظل سيطرة قوات الدعم السريع حاليا على (دارفور) وأجزاء من (كردفان) في غرب السودان فيما يرسخ الجيش سيطرته على الشرق والشمال مع بروز قوى محلية مستقلة داخل كل نطاق.
وحذر خيري في هذا الإطار من أن استمرار الحرب من دون تسوية سياسية سيكرس مناطق نفوذ منفصلة بغض النظر عن الطرف المسيطر.
كما تفتح هذه التطورات الباب أمام مخاطر مترابطة من بينها الانتشار الواسع للسلاح وتصاعد الهجرة غير النظامية وإعادة تشكل شبكات متطرفة عابرة للحدود في ظل فراغات أمنية متزايدة في غرب البلاد.
في هذا السياق يبدو وفقا للمراقبين أن الرهان على حسم عسكري أو استقرار ناتج عن تفوق أحد الطرفين "يفتقر إلى الواقعية" فيما يرى دريسة أن "غياب إرادة دولية منسقة" يحد من فرص التوصل إلى تسوية في الأمد المنظور مرجحا أن يستمر التعامل مع الأزمة بوصفها "ملفا للادارة لا للحل".
ويحذر خيري من أن الفشل في تبني نهج واقعي خلال عام 2026 قد يدفع السودان نحو سيناريو أعلى كلفة تتداخل فيه الكارثة الإنسانية مع تهديدات أمنية مباشرة لدول الجوار وشركاء دوليين يتزايد قلقهم من تداعيات الفوضى السودانية.
وضمن هذا المشهد يدعو خيري إلى إنشاء إطار دولي منسق يشار إليه مبدئيا ب "أصدقاء الرباعية" يهدف إلى تجاوز إدارة الأزمة نحو احتوائها فعليا مع الأخذ في الاعتبار التوازنات الواقعية وتعدد الفاعلين والحفاظ على وحدة السودان والحد من تدفقات السلاح وكبح الهجرة غير النظامية ومنع إعادة إنتاج الإرهاب وتهيئة أرضية لإعادة الإعمار.
ويبدو أن السودان في عام 2026 لا يقف أمام مفترق طرق تقليدي بل في قلب دوامة مركبة من العنف والانقسام والتآكل المؤسسي فكلما ازداد الحديث عن خطط سلام اتسعت الفجوة وغابت آلية واضحة لوقف القتال وإنهاء حرب مستمرة. (النهاية) م ع م / م ع ع