من محمد العنزي
(تقرير) الكويت - 4 - 1 (كونا) -- يقوم التحول الاقتصادي المؤسسي في الكويت على مرتكزات أبرزها تحديث المنظومة التشريعية خصوصا وسط التحديات المتسارعة والتطورات العالمية المتعلقة بأنماط الإنتاج والاستثمار والانتقال نحو الاقتصاد الرقمي وتزايد المنافسة الإقليمية على جذب رؤوس الأموال.
وهنا تبرز أهمية الخطة الوطنية للكويت في تحديث المنظومة التشريعية التي شرعت الحكومة في تنفيذها باعتبارها أداة إصلاح هيكلي غايتها إعادة مواءمة الإطار القانوني مع متطلبات التنمية المستدامة العالمية 2030 ورؤية (الكويت 2035).
وفي خطوة محورية نحو دعم الابتكار وريادة الأعمال في الكويت أقر مجلس الوزراء في نوفمبر الماضي مشروع قانون تنظيم العمل بقطاع التجارة الرقمية الذي يهيئ بيئة حديثة ومحفزة لنمو نماذج الأعمال الرقمية ويستحدث مفهوم البيئة التنظيمية التجريبية التي تتيح للشركات المبتكرة اختبار منتجاتها وخدماتها بشكل آمن قبل طرحها تجاريا.
ويضع مشروع القانون إطارا متكاملا للحماية يشمل صون الخصوصية ووضوح الشروط والأحكام وتوفير آليات فاعلة لحل المنازعات بما يسهم في تعزيز الثقة في التعاملات الإلكترونية وترسيخ قطاع تجارة رقمية أكثر أمانا وشفافية.
ويمثل هذا التشريع محطة أساسية في مسار تحديث الإطار القانوني للدولة إذ يوفر منظومة شاملة لتنظيم التجارة الرقمية ويوازن بين حرية ممارسة النشاط الاقتصادي ومتطلبات الرقابة التنظيمية بما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية في الاقتصاد الرقمي ويدعم توجهات التنمية المستدامة في البلاد.
وضمن الجهود الحكومية الرامية إلى تعزيز الاستقرار المالي ودعم عجلة التنمية الاقتصادية بما يواكب رؤية دولة الكويت صدر في مارس الماضي المرسوم بقانون رقم (60) لسنة 2025 في شأن التمويل والسيولة الذي يحدد سقف الدين العام بمبلغ 30 مليار دينار كويتي حدا أقصى أو ما يعادله من العملات الأجنبية الرئيسية القابلة للتحويل كما يتيح إصدار أدوات مالية بآجال استحقاق تصل إلى 50 سنة وتمتد فترة سريانه 50 سنة.
ويمنح القانون المذكور الكويت مرونة مالية أكبر من خلال إتاحة خيار التوجه إلى الأسواق المحلية والأجنبية لتعزيز إدارة السيولة وضمان الاستدامة المالية العامة للدولة وفق تصريحات لوزير المالية ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار آنذاك.
ويشكل القانون خطوة مهمة في مسار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة بما يخدم مصلحة الدولة والمواطنين على حد سواء.
وفي خطوة تستهدف تعزيز الشفافية في المعاملات العقارية أصدر وزير العدل المستشار ناصر السميط القرار رقم 194 لسنة 2025 بتنظيم سداد القيمة والمقابل النقدي المستحق في جميع المحررات والعقود وإقرارات الدين الرسمية والرهن الصادة عن وزارة العدل.
ويقضي القرار بإثبات الدفع عبر التحويل المصرفي أو الشيك المصدق في إطار مكافحة غسل الأموال والحد من حالات الرهونات وإقرارات الدين الصورية علاوة على معالجة الثغرات القانونية التي كانت تتيح تمرير بعض المعاملات غير المشروعة.
وعلاوة على ذلك يسهم القرار في حماية السوق العقارية من التلاعبات المالية ورفع مستوى الشفافية وحماية المشترين والبائعين من عمليات الاحتيال والبيع الوهمي إضافة إلى تعزيز الرقابة المالية ومنع غسل الأموال عبر المعاملات العقارية.
وفي أغسطس الماضي دخل المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025 المعني بتعديل بعض أحكام القانون رقم 118 لسنة 2023 بشأن تأسيس شركات إنشاء مدن أو مناطق سكنية وتنميتها اقتصاديا (قانون المطور العقاري) حيز التنفيذ رسميا حاملا معه حرية أكبر للمطورين لعرض منتجات متنوعة بحسب الحاجات والقدرات المتنوعة للأسر المستفيدة وبمساحات مختلفة.
وفي محطة رئيسية في مسار الإصلاح الاقتصادي وخلق بيئة استثمارية عادلة وتعزيز العدالة الضريبية أصدرت وزارة المالية الكويتية قرارا في يناير 2025 بشأن إصدار اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون المتعلق بضريبة مجموعة الكيانات متعددة الجنسيات.
وتهدف تلك اللائحة إلى تفسير وتوضيح أحكام القانون وتحديد الإجراءات وآليات التطبيق إلى جانب تعزيز الشفافية وتوفير فهم واضح للجهات المعنية بما يتماشى مع السياسات والمعايير الدولية في هذا المجال كما تعكس التزام الكويت بتحقيق التوازن المالي وتنويع الإيرادات بعيدا عن الاعتماد على القطاع النفطي.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن الإيرادات السنوية المتوقعة من هذه الضريبة قد تصل إلى نحو 250 مليون دينار كويتي مما يعزز من قدرة الدولة على بناء اقتصاد مرن ومستدام في مواجهة التحديات المستقبلية.
ولحماية الأمن المالي للدولة ضمن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة أقر مجلس الوزراء في ديسمبر 2025 مشروع المرسوم بقانون بإضافة المادة (12 مكررا) إلى قانون تنظيم تراخيص المحال التجارية رقم (111) لسنة 2013 في خطوة تشريعية نوعية تستهدف تجريم ما يعرف بالحوالة البديلة أو (Alternative Remittance Systems) التي تعد من أخطر الممارسات المالية غير القانونية وأكثرها تهديدا للأمن المالي والاقتصادي للدولة.
وفي هذا الشأن رأى متخصصان كويتيان بالعلوم الإدارية والاقتصاد في لقاءين متفرقين مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأحد أن المنظومة التشريعية لا تشكل مجرد إطار تنظيمي فحسب بل تمثل أيضا عاملا حاسما في تشكيل البيئة الاستثمارية وتوجيه السلوك الاقتصادي إذ ترتبط جودة القوانين ومرونتها مباشرة بمستويات النمو وكفاءة تخصيص الموارد وقدرة الاقتصاد على التنويع.
وأكد المتخصصان أن المنظومة التشريعية هي الأساس الذي تبنى عليه السياسات العامة والاقتصاد الوطني ومن شأن تحديثها المساهمة في خفض تكاليف المعاملات وتقليل التعقيدات الإدارية وتحسين كفاءة السوق وهي عناصر أساسية لتعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب.
وقال عميد كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت الدكتور علي المطيري لـ(كونا) إن عملية إعادة النظر ومراجعة جميع التشريعات السارية في دولة الكويت تهدف إلى إيجاد بيئة قانونية عصرية تكون منسجمة مع جميع جوانب متطلبات التنمية الشاملة في الكويت.
وأضاف المطيري أن تحديث التشريعات يعزز أيضا من مبادئ الشفافية والمساءلة في المؤسسات الحكومية بما يحقق العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون الأمر الذي يضمن استقرارا مستداما في البلاد.
وأوضح أن التطلعات الأكاديمية لهذه الخطة تتجه نحو تحقيق التنسيق بين الجانبين القانوني والاقتصادي من خلال ابتكار قوانين اقتصادية جديدة تدعم النمو المستدام لاسيما المتعلقة بالاستثمار والتجارة والضرائب والعمل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة لتقليل المخاطر القانونية والإجرائية على المستثمرين وتعزيز ريادة الأعمال والابتكار مع تحسين كفاءة السوق عبر المنافسة العادلة التي تشجعها القوانين المناسبة للحد من الاحتكار.
وذكر أن الدراسات الأكاديمية في مجالي القانون والاقتصاد تؤكد الحاجة الماسة للتحديث المستمر للتشريعات الاقتصادية للاستجابة للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية الناجمة عن التحول الرقمي والعولمة الاقتصادية.
واعتبر أن التعديلات التشريعية ومراجعة القوانين الاقتصادية تعد محفزا رئيسيا للدورة الاقتصادية وتحمل تأثيرا إيجابيا عاما على الأنشطة من خلال زيادة معدلات النمو إلى جانب خلق فرص العمل وتحسين الإنتاج.
من جانبه أكد نائب رئيس الجمعية الاقتصادية الكويتية أحمد الطحيح لـ(كونا) أهمية تحديث البنية التشريعية بما يواكب التطورات الاقتصادية في العالم مبينا أنها خطوة ضرورية نحو تعزيز كفاءة الإطار القانوني في دولة الكويت.
وأضاف الطحيح أن المنظومة التشريعية تمثل الأساس الذي تبنى عليه السياسات العامة والاقتصاد الوطني لافتا إلى أن هذا التحديث سوف ينعكس إيجابا على جاذبية بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمارالمحلي والأجنبي.
وقال إنه "من منظور اقتصادي يعد هذا التوجه الحكومي بمنزلة إعلان عن مرحلة جديدة من الإصلاح المؤسسي بما يتناسب مع التطورات العالمية ومتطلبات رؤية الكويت التنموية التي تهدف إلى معالجة الثغرات القانونية التي تعيق نمو القطاعات الإنتاجية وتحد من تنافسية الاقتصاد الوطني".
وأوضح أن توازن المحاور الثلاثة الاجتماعي والجنائي والاقتصادي في الخطة يعكس رؤية شمولية للتنمية تقوم على أساس أن الإصلاح الاقتصادي مضيفا أنه لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إصلاحات موازية في المجالات الاجتماعية والعدلية وهو ما يضمن تحقيق العدالة والاستقرار وهما ركيزتان ضروريتان لخلق اقتصاد مستدام.
وحول التحديث الذي طرأ أخيرا على قانون (الإفلاس) - إعادة نظام الضبط والاحضار وحبس المدين المتعنت في السداد - ذكر أن تحديث القانون يأتي ترجمة لجهود وزارة العدل على أرض الواقع عملا بالخطة المعتمدة فيما تتطلع الجمعية إلى تحديث واقرار تشريعات اقتصادية عدة مستقبلا وفي مقدمتها قانون إنشاء المحكمةالاقتصادية بالكويت.
وأكد الطحيح أهمية أن يشكل الجانب الاقتصادي من الخطة الوطنية لتحديث المنظومة التشريعية نقطة تحول حقيقية في إعادة هيكلة بيئة الأعمال والاستثمار في دولة الكويت لافتا إلى الحاجة الملحة لتحديث التشريعات الاقتصادية بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والدولية لا سيما وسط التوجه نحو الاقتصاد الرقمي وتعزيز دور القطاع الخاص في مسيرة التنمية الوطنية.
وتوقع أن تشمل عملية المراجعة عددا من القوانين المحورية من بينها قانون الشركات التجارية وقانون تشجيع الاستثمار المباشر وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص مؤكدا أن هذه التشريعات تمثل القواعد الأساسية الحاكمة لبيئة الأعمال والاستثمار في الكويت.
وشدد على ضرورة أن يمتد تحديث التشريعات الاقتصادية ليشمل القوانين التي تشكل حجر الأساس في بناء بيئة أعمال متطورة وجاذبة في مقدمتها قانون الشركات التجارية الذي يحتاج إلى تبسيط الإجراءات وتوسيع نطاق الحوكمة والشفافية بما يضمن مرونة أكبر في تأسيس الشركات وإدارتها كما يأتي قانون المنافسة ومنع الاحتكار ضمن أولويات التحديث لما له من دور حيوي في حماية المستهلكين وتشجيع الابتكار وتحسين جودة الخدمات.
وأكد أهمية مراجعة القوانين المرتبطة بسوق العمل بما يضمن مواءمة المهارات الوطنية مع احتياجات السوق إلى جانب تحديث الأنظمة الضريبية والمالية لتوفير مصادر دخل مستدامة دون الإضرار بجاذبية الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن تعديل التشريعات الاقتصادية سيحدث نقلة نوعية في بيئة الأعمال عبر تعزيز الشفافية وتقليل التعقيدات الإدارية الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة جاذبيته للاستثمارات المحلية والأجنبية مبينا أن القوانين الواضحة والمرنة تشكل عاملا أساسيا لاستدامة النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة التجارية.
وذكر الطحيح أن تطوير وتحديث القوانين الاقتصادية سيعزز ثقة القطاع الخاص ويتيح له القيام بدور أكبر في عملية التنمية خاصة في مجالات الشراكة والاستثمار والابتكار.
وعن علاقة المؤشرات التنافسية العالمية بتحديث المنظومة التشريعية في دولة الكويت أفاد بأن هذا التحديث سيسهم في تحسين ترتيب الكويت في مؤشرات التنافسية العالمية وسهولة ممارسة الأعمال بما يدعم تدفق الاستثمارات النوعية ويعزز مكانتها كمركز اقتصادي وتجاري في المنطقة.
إلى ذلك أعلنت وزارة العدل الكويتية في سبتمبر الماضي الخطة الوطنية لتحديث المنظومة التشريعية التي تستهدف مراجعة وتطوير 25 في المئة من القوانين السارية في البلاد بحلول ديسمبر 2026 عبر ثلاثة محاور رئيسية تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والجنائية وبما يسهم في تبسيط الإجراءات وتعزيز بيئة الأعمال وترسيخ مكانة الكويت الدولية.
وكان وزير العدل المستشار ناصر السميط أعلن أن عدد القوانين السارية يبلغ 983 قانونا وتم إنجاز مراجعة 181 قانونا أي نحو 18 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025.
وأكد السميط أن تحديث المنظومة التشريعية يشكل ركيزة أساسية في تسهيل حياة المواطنين والمقيمين ودعم بيئة الأعمال فضلا عن تعزيز التزامات دولة الكويت الدولية ومكانتها القانونية على الصعيد الدولي. (النهاية)
م ع ا / ه ث / ن و ف