A+ A-

أي مستقبل للسودان من هذا الصراع؟

قد يؤدي الصراع بين البرهان وحميدتي إلى نزاع أهلي مرير في السودان
قد يؤدي الصراع بين البرهان وحميدتي إلى نزاع أهلي مرير في السودان

من الهيثم صالح

(تقرير)

الكويت – 16 - 5 (كونا) -- ما كان يخشاه السودانيون قد وقع فالمعارك الضارية التي اندلعت منتصف إبريل 2023 بين طرفي المكون العسكري بالسودان (الجيش النظامي وقوات الدعم السريع) ليست سوى الحلقة الأحدث لأزمة عميقة تنذر بوضع البلاد والمنطقة برمتها على منزلق خطير.
وفي ظل إصرار الطرفين على الحسم العسكري لم تتمكن مساعي الهدنة الإقليمية والدولية حتى الآن من كبح جماح هذا الصراع الذي خلف دمارا واسعا في الخرطوم ومدن أخرى ولا يزال يوقع أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى فيما تخشى الأمم المتحدة موجة نزوح هائلة إذا استمر هذا الاقتتال المأساوي.
وهناك مخاوف من أن ينجرف هذا القتال بمنطقة حوض النيل والقرن الإفريقي المضطربة بالأساس إلى مستنقع الفوضى ما يطرح تساؤلات مهمة عن جذور الأزمة ومآلاتها واحتمالات تمدداتها الإقليمية لا سيما أنها نشبت في بلد يتمتع بموقع استراتيجي شديد الأهمية عربيا وإفريقيا.
وفي حديث لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) قالت عضوة لجنة صياغة الدستور الانتقالي بالسودان الدكتورة زحل الأمين إن هذا الصراع كان متوقعا أولا في ضوء تصاعد نبرة الخلاف بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش الجنرال عبدالفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع الجنرال محمد حمدان دقلو (الملقب بحميدتي) وثانيا لتوسع دائرة نفوذ تلك القوات التي أسسها نظام البشير لدعمه في أزمة دارفور عام 2003 "بعقيدة مختلفة عن الجيش لتكون له عمقا عسكريا واستراتيجيا وأيديولوجيا".
وأشارت إلى أن الامتيازات التي حصلت عليها قوات الدعم السريع من أهم أسباب تعميق خلافها مع الجيش رغم تقنين تبعيتها له في القانون الذي أقره البرلمان السوداني عام 2017.
ونبهت إلى أنه رغم ما بدا من أن جميع العسكريين قد وافقوا على الاتفاق السياسي الإطاري الذي وقعه المكون العسكري مع قوى مدنية أبرزها قوى الحرية والتغيير في ديسمبر 2022 فإنه كانت هناك خلافات عميقة بشأن البند الخاص بدمج الدعم السريع في الجيش وانضوائها تحت سلطة رئيس الوزراء المدني.
وأضافت الأمين "لذا يصعب أن تفكر قوات الدعم السريع في الانصهار في بوتقة الدولة لا سيما أنها تملك اقتصادا هائلا موازيا للدولة وتمددات عابرة للحدود".
ومع ذلك هناك بعد آخر لهذا الصراع يرتبط بأزمة بنيوية متكررة في عمق السياسة السودانية هو الخلاف التاريخي بين كتلتين مؤثرتين بقوة في المشهد السياسي هما "الكتلة التقليدية" اليمينية المحافظة و"الكتلة الحداثية" - يسار ويسار الوسط وهذا تجلى مثلا في ثورة 2018 التي جاءت أساسا بدعوة من تجمع المهنيين وغيره من الكتل اليسارية السودانية التي تعد بالمناسبة واحدة من أهم وأكبر قوى اليسار في العالم العربي.
ومن ناحيتها اوضحت مديرة (البرنامج الإفريقي) بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة الدكتورة أماني الطويل ل(كونا) أن هذا العامل أثر بشدة في تفاعلات العلاقة بين المكونين المدني والعسكري وطبيعة التحول الديموقراطي في السودان وآلياته وأدواته ومداه مما أنتج أزمة حادة بين جميع الأطراف أدت لانسداد أفق الحل السياسي وأوصلت إلى الاشتباك الحالي.
واضافت الطويل "لنقل إن كلا من طرفي المعادلة السياسية السودانية لديه تفاعلاته الداخلية لكن ما أجج الأزمة هو أن طرفي المكون العسكري يستقويان في خلافاتهما بأطراف من المكون المدني وبات لدى كل منهما حاضنة سياسية تجعله يرى نفسه بديلا للطرف الآخر وهي الحاضنة التي أسست لطبيعة هذا الصراع".
في حين يقول مراسل (كونا) في الخرطوم محمد عبدالعزيز لهذا التقرير إن "الاشتباكات الشرسة متواصلة بين الجيش السوداني والدعم السريع" واستخدمت فيها الطائرات والمدفعية في العاصمة ومناطق أخرى وسط أنباء عن وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين وذلك رغم توقيع الجانبين (إعلان جدة) الذي ينص على حماية المدنيين واحترام المرافق العامة والخاصة. لذا فإن اتساع رقعة المعارك في "صراع الحياة والموت في السودان" كما وصفته صحيفة (لوموند) الفرنسية في افتتاحيتها رغم المحاولات العربية والدولية للتهدئة بات يعطي مؤشرات سلبية عن مستقبل الاستقرار في البلاد وعن احتمالات قوية بانزلاقها إلى دوامة الفوضى والأخطر وقوعها على خط التضاغط بين القوى العالمية المتنافسة.

من هنا تتوقع الدكتورة أماني الطويل أن يستمر القتال في المستقبل المنظور "خصوصا أن كل طرف لديه أجندة وطموح شخصي ومخاوف .. كل منهما يقاتل وظهره للحائط".
وتحذر من أنه إذا لم تتمكن المبادرات الحالية من اختراق الصراع فإن السودان سينزلق حتما إلى حرب أهلية مفتوحة وقد يتمزق مضيفة "كل هذه السيناريوهات متوقعة على المستويين القصير والمتوسط".
ونبهت إلى أنه حتى لو نجح البرهان مثلا في حسم المعركة بالخرطوم فلن يعني ذلك بالضرورة القضاء على (الدعم السريع) التي تمتلك ارتكازات في دارفور وخطوط امدادات عبر النطاقات المتاخمة ذات السيولة الأمنية والسياسية وقد تتحول إلى حركة تمرد على الحكومة المركزية بما يشكله ذلك من ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية.
لذلك تشدد الطويل في المقابل على ضرورة أن تمتلك المبادرات الخارجية الحالية "آليات على الأرض" حتى تكون أكثر فعالية في إنهاء الاقتتال مشيرة إلى أن العقوبات نفسها قد لا تكون فعالة على الفور حتى لو أقرها مجلس الأمن الدولي.
وأوضحت أن العقوبات لم تنجح في إنهاء صراع دارفور رغم صدورها تحت الفصل السابع لأن الأطراف في السودان غالبا لا تمتلك أرصدة خارجية خصوصا في الغرب بالإضافة إلى أنها في الأزمة الجديدة قد لا تكون فاعلة على أرضية التجاذب العالمي الراهن.
وفي هذا الجانب يرى محلل الشؤون الأمريكية في واشنطن طارق الشامي أنه حتى مجرد التلويح بالعقوبات سيفاقم الأزمة في بلد يشهد نزاعا أهليا مريرا مضيفا أن "الولايات المتحدة تعي ذلك جيدا وتعي أيضا أنها لا تمتلك أوراقا كثيرة في السودان".
وتوقع الشامي في حديث ل(كونا) أن يبقى الدور الأمريكي منحصرا في التنسيق مع الأطراف العربية على أمل تحقيق وقف فعال لإطلاق النار والعودة للحكم المدني.
واضاف "رغم أن السودان عاش 17 عاما فقط من السلام خلال 70 عاما من الاستقلال فإن الخرطوم لم تشهد قتالا كهذا منذ عقود وما تخشاه واشنطن هو أن الفشل المتكرر في وقف إطلاق النار ينبئ بعدم استعداد أي طرف للتوصل إلى صيغة توافقية مما سيقود إلى حرب أهلية طويلة تصل ارتداداتها إلى دول الجوار".
لكن هل يمكن فعلا أن يمتد لهيب الصراع بالسودان إلى الجوار؟ عن ذلك يرى عضو لجنة الجيوسياسية بالجمعية الدولية للعلوم السياسية بالولايات المتحدة أنس القصاص أن هذه احتمالات واردة جدا خصوصا في ضوء تركيبة قوات الدعم السريع وارتباطاتها المناطقية والجغرافية.
وأوضح القصاص في حديث ل(كونا) أن قوات الدعم السريع (ميليشيا الجنجويد سابقا) تركز انتماءاتها القبلية في دارفور وفي جنوب كردفان ومن ثم فإن النزاع المسلح سيدخل مرحلة أخرى إذا أخفقت المفاوضات الحالية وفي ظل عجز الدعم السريع عن مواصلة حرب المدن المرهقة بدون غطاء جوي.
وتابع القصاص وهو مختص في الشؤون الاستراتيجية والصراعات الدولية أن الجيش السوداني من ناحية التسليح يتفوق بمراحل على الدعم السريع التي هي في تشكيلاتها قوات شبه عسكرية تتميز بسرعة الانتشار والمناورة لكنها محرومة من أهم عناصر حسم المعارك وهي السيطرة الجوية والسلاح الثقيل وكثافة النيران وهي كلها عناصر متاحة للجيش السوداني.
وتذهب توقعاته إلى أن هذه العوامل ستدعو قوات الدعم إلى إعادة التموضع باتجاه الغرب والجنوب الغربي وإعادة تنظيم الصفوف لبدء فصل جديد من المعارك المركزة التي ستكون يد الجيش السوداني فيها مكبلة بسبب مقررات مجلس الأمن السابقة بعدم انتشاره في دارفور مما سيمهد الأوضاع نحو مزيد من الانقسامات داخل السودان مع تصاعد احتمالات بالانفصال القسري منوها بوصول إمدادات عسكرية عبر الحدود في الأيام الأولى للنزاع إلى الفاشر ونيالا إحدى أهم معاقل الدعم السريع في دارفور.
ويرى أن ذلك سيأتي في ظل احتمالات متصاعدة بتشظي النزاع السوداني إلى دول الجوار الغربي والجنوب الغربي والجنوب لا سيما إفريقيا الوسطى وتشاد وجنوب السودان مع احتمالات مكثفة للتضفير مع الحالة الليبية في ظل مساعي قوى عالمية لنحت وجود لها في منطقة الصحراء وجنوب الصحراء الكبرى عبر الشبكات القبلية المتخطية للحدود التي يستطيع قائد الدعم السريع ترويضها وتدين له بالولاء.
ونوه بأن هذا ما حدا بالجيش الأمريكي لإعادة نشر قوات في قواعده بالنيجر وهذا أيضا ما عبرت عنه مديرة مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكية (المكتب التنسيقي الأعلى لمجتمع الاستخبارات الأمريكي) أفريل هاينز في جلسة استماع بالكونغرس منذ أيام بأن النزاع في السودان سيكون نزاعا ممتدا ولن يحسم قريبا في ظل عدم وجود محفزات قوية للسلام.
يذكر أن هذا الصدام في السودان كان سيقع لا محالة حتى لو لم تقم ثورة ديسمبر 2018 "فالجمل ذو السنامين غير مريح" كما يقول السودانيون لذا فبغض النظر عمن أطلق الرصاصة الأولى فإن البلاد تواجه لحظة قاسية مفتوحة على سيناريوهات مؤلمة ما لم تتمكن المساعي الراهنة من كبح هذا الصراع قبل أن يهوي بمنطقة مضطربة بالأساس في مكان سحيق. (النهاية) ه س ص