التاريخ : 08/02/2026
من أسماء ريدان (تقرير)
بروكسل - 8 - 2 (كونا) -- تشهد العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة مرحلة من التوتر غير المسبوق منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ظل سلسلة أزمات متلاحقة شملت ملفات التجارة والرسوم الجمركية والحرب في أوكرانيا وصولا إلى الأزمة الأكثر حدة المتمثلة برغبة واشنطن في السيطرة على جزيرة (غرينلاند) التابعة للسيادة الدنماركية.
ورغم تراجع حدة التصعيد بعد إعلان الرئيس ترامب أنه لن يلجأ إلى استخدام القوة للسيطرة على الجزيرة القطبية فإن الأوروبيين يرون أن هذه الأزمة تمثل نقطة تحول مفصلية في طبيعة علاقتهم بحليفهم التقليدي وتكشف عن حدود الثقة بالشراكة العابرة للأطلسي.
وفي ظل الغموض الذي يلف مستقبل المحادثات بشأن الجزيرة لا يخفي الأوروبيون إحباطهم من شريكهم الأمريكي وقد بدأوا يتحدثون بصوت مرتفع عن ضرورة مراجعة ارتباطهم الكبير بالولايات المتحدة عسكريا واقتصاديا وتواترت في هذا الإطار التصريحات بدءا من بروكسل مرورا بباريس وغيرها من العواصم الأوروبية.
فمن جانبها اعتبرت رئيسة وزراء الدانمارك مته فريدريكسن في لقائها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس الأسبوع الماضي أن الأسابيع الماضية حملت لأوروبا دروسا مهمة بضرورة الوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية وذلك في إشارة للأزمة بشأن جزيرة (غرينلاند).
وشددت فريدريكسن في مؤتمر صحفي مشترك مع ماكرون ورئيس وزراء (غرينلاند) ينس فريدريك نيلسن في باريس على أن النظام الدولي كما هو معروف "ربما قد يكون انتهى".
أما ماكرون فقد أكد في المؤتمر الصحفي نفسه أن الأحداث الأخيرة بشأن (غرينلاند) تشكل "نداء لصحوة استراتيجية لكامل أوروبا" مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتحمل مسؤوليته كاملة بما في ذلك مراجعة استراتيجيته الخاصة بالقطب الشمالي.
ويرى مراقبون أنه إذا كان هذا ما يقال في العلن فإن ما يتم تداوله داخل أروقة الدبلوماسية يعكس حالة من القلق والإحباط والرغبة في تحقيق استقلال أوروبي على المستويين الدفاعي والاقتصادي.
لكن الأوروبيين يدركون أن الرغبة في تحقيق هذا الاستقلال عن الولايات المتحدة في المجال الدفاعي على وجه الخصوص تواجه بصعوبات بالغة مرتبطة بضعف الإنفاق العسكري الذي تراكم لسنوات بسبب اعتمادهم على حلف شمالي الأطلسي (ناتو) باعتباره منظومة دفاعية أثبتت نجاعتها خلال العقود الماضية في حماية دول الحلف.
ورغم زيادة معظم دول (ناتو) مستوى إنفاقها بضغط من الرئيس ترامب نفسه فإنها ما زالت بعيدة على أن تكون قادرة على توفير الحماية نفسها التي يوفرها الحلف.
ويدرك الأوروبيون هذه الحقيقة تماما ويعلنونها في تصريحاتهم ومعها يظهرون شبه توافق على ضرورة تسريع إعادة التسلح لتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة بل إن فكرة "الاستقلال الاستراتيجي" التي دافع عنها ماكرون منذ سنوات بدأت تجد اليوم لها صدى حتى لدى دول كانت شديدة التمسك بالتحالف العابر للمحيط الأطلسي مثل ألمانيا والدنمارك.
ويعبر مسؤولو الاتحاد الأوروبي بشكل أوضح عن فكرة "الاستقلال الاستراتيجي" التي تعبر عن قلق متزايد إزاء الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في المجال الأمني.
وفي هذا السياق دعت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس دول التكتل إلى تكثيف جهودها الدفاعية ولعب دور أكبر داخل (ناتو) معتبرة أن الرئيس ترامب "هز العلاقة العابرة للأطلسي من أساسها" كما حذرت من أن "أوروبا لم تعد مركز الثقل الأساسي بالنسبة لواشنطن" وأن على القارة العجوز "أن تتكيف مع الواقع الجديد".
وفي رد على من يعتبر أن هذا التحول قد يكون ظرفيا أو عابرا أو مرتبطا بولاية الرئيس ترامب فقط شددت كالاس على أن هذه التغيرات "جارية منذ فترة" وأنها تمثل "تحولا هيكليا وليس مؤقتا" والنتيجة أن على "أوروبا أن تنهض بمسؤولياتها الدفاعية بنفسها".
ولا يتوقف الأمر عند الجانب الأمني فقد أيقظت هذه الأزمة مخاوف كامنة منذ فترة تتعلق بحسابات التجارة والاقتصاد بعدما تبين للأوروبيين أن التجارة مع الولايات المتحدة لم تعد تخضع لنفس القواعد التي أرساها الطرفان منذ عقود بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب على عدد كبير من الواردات الأوروبية ولذلك لم تعد تخفي بروكسل رغبتها في تقليص التبعية لواشنطن من خلال توسيع الوصول إلى أسواق جديدة وتعزيز التعاون التنظيمي وبناء شراكات صناعية جديدة.
ويهدف الاتحاد الأوروبي في هذا السياق إلى تقليل اعتماده على الولايات المتحدة في قطاعات استراتيجية مثل الدفاع والتكنولوجيا والطاقة وأنظمة الدفع.
وفي هذا الإطار أقدمت بعض الدول الأوروبية على خطوات عملية من بينها إصدار قرارات تمنع الموظفين الحكوميين من استخدام منصات اتصال أمريكية وتسريع برامج تنويع موردي الطاقة إلى جانب الدفع باتجاه إبرام اتفاقيات تجارية مع شركاء جدد.
وشهدت الأشهر الأخيرة توقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقات تجارية مع تكتل (ميركوسور) في أمريكا اللاتينية ومع الهند كما أعادت المفوضية الأوروبية إحياء مفاوضات كانت متعثرة مع أستراليا.
ويرى قادة للاتحاد الأوروبي أن العلاقات العابرة للأطلسي "لن تعود إلى ما كانت عليه قبل عهد ترامب" وأن أوروبا مطالبة بإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي الجديد ليس فقط باعتبارها شريكا للولايات المتحدة بل بصفتها قوة مستقلة قادرة على حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.
ويأتي ذلك في ظل إبداء واشنطن رغبة معلنة في السيطرة على (غرينلاند) التابعة للسيادة الدنماركية حيث تكتسب الجزيرة أهمية استراتيجية كبرى نظرا لموقعها الجغرافي بين أمريكا الشمالية ومنطقة القطب الشمالي ما يجعلها موقعا مثاليا لأنظمة الإنذار المبكر في حال وقوع هجمات صاروخية.
واعتبر ترامب أن الجزيرة "مغطاة بالسفن الروسية والصينية" مؤكدا أن امتلاك الولايات المتحدة (غرينلاند) ضروري للدفاع عن نفسها وذلك في وقت تستضيف الجزيرة حاليا أكثر من 100 عسكري أمريكي بشكل دائم في قاعدة تقع في شمالها الغربي وهي منشأة تديرها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
ورغم أن ترامب تراجع الشهر الماضي عن تهديداته بالاستيلاء بالقوة على الجزيرة بعد إعلانه التوصل إلى "إطار تفاهم" مع الأمين العام لحلف (ناتو) مارك روته لتعزيز النفوذ الأمريكي فقد تم تشكيل مجموعة عمل ثلاثية تضم الولايات المتحدة والدنمارك و(غرينلاند) لمناقشة المخاوف الأمنية في منطقة القطب الشمالي من دون الكشف عن تفاصيل هذه المحادثات.
ويبدو أن هذه المفاوضات التي بدأت مع الولايات المتحدة بشأن هذه الجزيرة لم تثمر بعد نتيجة واضحة وهذا ما عبرت عنه وزيرة خارجية (غرينلاند) فيفيان موتزفيلد أمس السبت بالقول إن المحادثات مع الولايات المتحدة أمر إيجابي لكنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي تطمح إليه حكومة الجزيرة و"لايزال من المبكر التنبؤ بمآلاتها".
وشددت موتزفيلد في مؤتمر صحفي مشترك في (نوك) عاصمة الجزيرة مع وزيري خارجية الدنمارك لارس لوكه راسموسن وكندا أنيتا أناند على أن "المسار سيكون طويلا وبالتالي من السابق لأوانه تحديد النقطة التي يمكن أن تنتهي إليها هذه العملية".
ويظهر كل ذلك أنه ما بين الحاجة المستمرة للتحالف مع واشنطن خاصة في ظل الحرب الروسية - الأوكرانية والمخاوف المتزايدة من تراجع موثوقية هذا التحالف فإن أوروبا تعيش حالة من القلق الوجودي غير المسبوق منذ الحرب العالمية الثانية وسط إدراك متزايد بأن مرحلة الاعتماد الاستراتيجي الكامل على الولايات المتحدة قد تكون شارفت على نهايتها. (النهاية)
أ ر ن / م ع ع