من محمد عبدالعزيز (تقرير إخباري) الخرطوم - 7 - 1 (كونا) -- شهد السودان في عام 2025 منحى عنيفا للصراع المسلح الذي اندلع في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بعدما انتقلت المواجهات من نمط الحرب المتحركة وتبادل السيطرة السريع إلى صراع طويل الأمد يقوم على الاستنزاف وتثبيت مناطق النفوذ.
وعلى امتداد العام 2025 عزز الجيش السوداني سيطرته على شرق ووسط وشمال البلاد فيما رسخت قوات الدعم السريع نفوذها في اقليم دارفور غربا وفي أجزاء واسعة من إقليم كردفان المجاور ما أفضى إلى تشكل خريطة صراع أكثر ثباتا مقارنة بالعامين السابقين ومن دون أن ينجح أي من طرفي الصراع في فرض تفوق حاسم.
وخلال النصف الأول من عام 2025 انتقل الجيش من وضعية دفاعية إلى عمليات هجومية متزامنة مكنته من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة ومنها استعادته في شهر يناير مدينة "ود مدني" عاصمة ولاية الجزيرة وأهم مركز مركز إداري واقتصادي وسط البلاد.
وفي شهر مارس تمكن الجيش من استعادة القصر الرئاسي ومطار الخرطوم وعددا من المقار السيادية قبل أن يعزز سيطرته بالكامل على العاصمة وكذلك على ولايتي "الجزيرة وسنار".
إلا أن الساحة العسكرية السودانية شهدت عقب ذلك تحولات لافتة في مسار العمليات القتالية استخدمت فيها الطائرات المسيرة والأسلحة الثقيلة ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح جماعي للمدنيين وتفاقم الأزمة الإنسانية وجعل الحرب في السودان واحدة من أبرز البؤر العسكرية الأكثر دموية في العالم خلال العام 2025.
إلى جانب ذلك تشكلت خريطة انقسام جديدة بين القوى المتصارعة وظهور حكومة موازية معلنة من قبل قوات الدعم السريع ما عزز من تعقيد الأزمة السياسية والعسكرية.
وفي هذا الصدد قال خبير إدارة الأزمات والتفاوض في مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية اللواء أمين مجذوب في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن الجيش اعتمد في عام 2025 على استراتيجية هجومية متوازية مستفيدا من تفوق جوي نسبي والطائرات المسيرة لاستهداف خطوط الإمداد ومواقع المدفعية ما أربك قوات الدعم السريع وأجبرها على الانسحاب من بعض المناطق.
في مقابل ذلك حققت قوات الدعم السريع خلال النصف الثاني من عام 2025 تقدما ميدانيا مهما في غرب السودان إذ فرضت في 26 اكتوبر سيطرتها على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر معاقل الجيش في دارفور بعد حصار استمر نحو عامين ما أتاح لها بسط نفوذها على غرب السودان.
وفي تطورات لاحقة سيطر الدعم السريع على مدينة "بابنوسة" بولاية غرب كردفان بالتزامن مع انسحاب الجيش من منطقة "هجليج" النفطية لتخضع معظم الولاية لسيطرة هذه القوات كما واصلت توسيع نفوذها بحصار مدينتي "كادوقلي والدلنج" في ولاية جنوب كردفان.
من جهته قال الصحفي والمحلل السوداني أحمد يونس في حديثه ل(كونا) إن التطور التقني للدعم السريع في استخدام الطائرات المسيرة وأنظمة التشويش أسهم في ترجيح كفة هذه القوات في معارك محددة لا سيما في الفاشر وبابنوسة مع الحفاظ على قدرتها على المناورة ضمن نطاق جغرافي واسع.
في المقابل واصل الجيش تقدمه باتجاه اقليم كردفان مستعيدا مدينتي "ام روابة والرهد" وافتتح الطريق القومي الرابط بين مدينة "الأبيض" عاصمة شمال كردفان غير أن هذه الجبهة سرعان ما تحولت إلى ساحة استنزاف مفتوحة اتسمت بتبادل السيطرة من دون تحقيق تفوق مستدام لأي من الطرفين.
وفي هذا السياق تسعى قوات الدعم السريع الى إحكام حصارها على مدينة الأبيض الاستراتيجية مقابل محاولات الجيش تأمين المدينة وتوسيع نطاق سيطرته في محيطها.
ويرى محللون أن معارك كردفان كشفت عن صعوبات بنيوية واجهها الجيش في إدارة حرب استنزاف طويلة في مساحات مفتوحة مقابل قدرة قوات الدعم السريع على المناورة والعمل عبر نطاق جغرافي واسع.
ويقول المحلل إن هذه المعارك حدت من قدرة الجيش على تثبيت مكاسبه في ظل تحديات تتعلق بخطوط الامداد وتعويض الخسائر البشرية والمادية.
أما المحلل السياسي التجاني الحاج فقد أوضح في حديثه لـ(كونا) أن الاستنزاف المستمر وخسارة عناصر مدربة لدى الطرفين وفشل أي منهما في تحقيق حسم عسكري دفع الصراع إلى مرحلة تثبيت خطوط نفوذ شبه مستقرة بدل الحرب السريعة القائمة على السيطرة الخاطفة.
وقال إن التوسع في استخدام الطائرات المسيرة غير طبيعة المواجهات محولا إياها إلى صراع يركز على استهداف خطوط الإمداد والمواقع الحيوية وضرب العمق أكثر من السيطرة المباشرة على الأرض في ظل تعقيدات لوجستية وبيئية متزايدة.
لقد بدت خريطة الصراع في السودان بنهاية عام 2025 أكثر استقرارا من حيث خطوط السيطرة لكنها أكثر تعقيدا من حيث فرص الحسم مع استمرار القتال بوتيرة متفاوتة في عدد من الجبهات.
وتشير المعطيات الميدانية إلى مواصلة طرفي الصراع عمليات التعبئة والحشد في مؤشر على استعدادهما لمواجهات جديدة خلال الفترة المقبلة وسط غياب مؤشرات على تسوية أو حسم عسكري وشيك. (النهاية) م ع م