A+ A-

سوق (مرشد) .. مركز بارز للتجارة في دبي مرتبط تاريخيا بشخصية كويتية بارزة

صورة ارشيفية لسوق مرشد تشهد كثرة المحال التجارية والعقارية
صورة ارشيفية لسوق مرشد تشهد كثرة المحال التجارية والعقارية

من سالم المذن

(تقرير) دبي - 6 - 7 (كونا) -- ربما زار الكثيرون سوق (مرشد) في دبي أحد أشهر وأقدم الأسواق في الإمارة وأكثرها شعبية وإقبالا أو سمعوا عنه لكن قلة قليلة تعرف أن اسم السوق مأخوذ من أحد رجالات الكويت البارزين الذين حققوا نجاحا كبيرا في مجالات الأعمال التجارية والعقارية والصناعة ومختلف ميادين الشأن العام وهو الكويتي مرشد العصيمي.
ولا بد من الوقوف كثيرا عند شخصية الكويتي مرشد العصيمي الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ دبي والإمارات وبلا شك أيضا في العلاقات الأخوية الكويتية -الإماراتية سواء في الشأن العام أو التعليمي أو التجاري أو الصناعي أو الثقافي وغيرها من خلال مصادر متعددة ووثائق ومواد إعلامية ورد فيها ذكر هذه الشخصية الكويتية الناجحة والمؤثرة.
ففي كتابه (قصتي) سرد نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد 50 قصة من حياته العامة والخاصة وأفرد فصلا كاملا عن دولة الكويت أسماه (غزو الشقيق) تناول فيه العلاقة المتميزة بين الشعبين الشقيقين وذكر فيه شخصية كويتية واحدة بالاسم فقط هي مرشد العصيمي ضمن عرضه لأمثلة التعاون بين البلدين في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإعلام وغيرها في مرحلة ما قبل نشأة اتحاد الإمارات.
ويقول الشيخ محمد بن راشد في كتابه إن مرشد العصيمي ليس شخصية سياسية أو رسمية بل شخصية اقتصادية مارست عملها التجاري في دولة الإمارات ولازمت قيادتها وشعبها خلال فترة الأربعينيات وما بعدها وكان نموذجا مثاليا للتاجر الكويتي الذي حقق النجاح في عمله وتجارته بأمانته وريادته حيث كان من أوائل المساهمين في بناء قطاع الترفيه والسياحة في دبي من خلال فكرة إنشاء (سينما الوطن) في فرجان دبي خلال الخمسينيات.
كما أحسن مرشد العصيمي تمثيل الكويت - والكلام للشيخ محمد بن راشد - حين ائتمنه أمير البلاد الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح رحمه الله على شؤون التعليم المقدمة من الكويت من دون منصب حكومي حتى تمت تسمية العصيمي بأنه (أبوالمعلمين) تقديرا لدوره الإنساني مع المعلمين وفي خضم ذلك لا يمكن أن ننسى الأثر الطيب الذي تركه مرشد في البلد المضيف حيث كان شخصية موثوقة للشيخ راشد بن سعيد (حاكم دبي حينها) رحمه الله في العديد من الأمور الاقتصادية والتنموية ولم يكن مستغربا وفاء أهل الإمارات بتسمية سوق (مرشد) التراثي باسم هذه الشخصية الفاضلة.
وتابع: "لا أكشف سرا إذا قلت إن سيرة الراحل مرشد العصيمي العطرة كانت أحد الأسباب الملهمة - على المستوى الشخصي على الأقل - لتأسيس مجلس الأعمال الكويتي تحت مظلة غرفة دبي ليكون مظلة رسمية وغير ربحية لمجتمع الأعمال الكويتي في دبي والإمارات ككل".
وممن أتوا على ذكر التاجر مرشد العصيمي أيضا الأكاديمي والصحفي الأمريكي كريستوفر ديفيدستون صاحب كتاب (دبي ..النجاح غير المحصن) الصادر باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة كولومبيا في نيويورك عام 2008 وترجمه إلى العربية فضل سالم تحت عنوان (دبي .. للنجاح ثمن).
ويقول المؤلف الأمريكي عن العصيمي إنه تاجر كويتي استطاع أن يبني لنفسه ثروة في خمسينيات القرن العشرين من خلال استيراد المواد الغذائية وتسويقها في زمن كانت المنطقة فيه تعاني نقصا شديدا في هذه المواد الأمر الذي جعله يحظى بمكانة اقتصادية ووجاهة اجتماعية في دبي معطوفة على منزلة خاصة لدى الحاكم آنذاك المغفور له الشيخ راشد بن سعيد.
وأضاف أن الشيخ راشد بن سعيد اختار العصيمي كأحد جلسائه وضمه إلى مجموعة مستشاريه بل وأوكل إليه أيضا مهمة فض المنازعات التي كانت يتم تسويتها في تلك الأيام من خلال محاكم خاصة تعقد داخل منازل الأعيان والوجهاء كمنزل العصيمي ومنزل بن سليم ثم انتقلت إلى جزء من المدرسة الأحمدية فإلى دكان بسوق (العرصة) في (بر ديرة) وذلك قبل البدء في استحداث المحاكم الرسمية بشكلها الحالي في الإمارات عام 1956.
ووفق مصادر متعددة فقد ولد العصيمي بالكويت في العقد الثاني من القرن العشرين وعاش فيها حتى عام 1944 ثم غادرها إلى دبي بحثا عن الرزق وعاش ومارس الأعمال التجارية والعقارية فيها فحقق نجاحا كبيرا خصوصا أن دبي في تلك السنوات المبكرة من القرن العشرين كانت تخطو خطواتها الأولى.
وكان لدى العصيمي متجر كبير للأخشاب في منطقة (ديرة) بدبي والتي تستخدم في صنع السفن والأبوام و(الجندل) المستخدم في بناء أسقف المنازل والغرف غير أن نشاطه لم ينحصر في الأعمال التجارية والعقارية وإنما تجاوزها إلى الدخول في الصناعة الترفيهية إذ كان وراء إقامة أول صالة عرض سينمائية في دبي.
وجاء في مقال نشرته صحيفة (الاتحاد) الإماراتية في 16 أبريل ‏2015 أن سكان دبي عرفوا السينما كطقس اجتماعي في الخمسينيات من القرن الماضي عندما أنشأ العصيمي أول دار عرض سينمائي وأطلق عليها (سينما الوطن) لتتشكل بذلك أول ملامح الترفيه البصري وسط بيئة عمرانية ناهضة.
كما عرف العصيمي في دبي باسم (أبوالمعلمين) فالكويت عندما أرادت في أواخر الخمسينيات والستينيات أن تقدم مساعدات في الخدمات التعليمية إلى إمارات ساحل الخليج لم تجد أفضل منه ليقوم بالمهمة خير قيام حتى تم إنشاء (الهيئة العامة للخليج والجنوب العربي) وهي هيئة كانت عبارة عن جهاز مستقل مرتبط بوزارة الخارجية الكويتية وأسست في مطلع الستينيات بهدف بناء المدارس والمعاهد والمستشفيات والمستوصفات في اليمنين الشمالي والجنوبي وفي البحرين وجنوب السودان ومشيخات الساحل المتصالح كترجمة لقناعة حكام دولة الكويت بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية والإنسانية إزاء دول المنطقة الأقل نموا.
وكانت المساعدات التعليمية الكويتية لإمارات الساحل ترسل من أمير البلاد الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح وكانت تشتمل على رواتب المدرسين المنتدبين من الكويت ومصر والكتب والكراريس والمواد القرطاسية الأخرى وكانت هذه المعونات تجمع أولا في منزل مرشد العصيمي بالكويت ثم ترسل بعد ذلك إلى الإمارات.
وبلا شك أدى العصيمي دورا في تاريخ دبي الحديث قبل أن يعود الى الكويت بصفة نهائية عام 1972 في ختام رحلة كفاح ونجاح امتدت أكثر من ثلاثة عقود لكنه لم ينس دبي إذ كان يتردد عليها بين الفينة والأخرى ضمن رحلاته إلى بعض العواصم العربية مثل القاهرة وبيروت إلى أن وافته المنية رحمه الله في الثالث من يناير 1975 في الكويت ودفن فيها.
وفي عودة إلى سوق (مرشد) فهو معلم تاريخي مهم ونقطة جذب سياحية شهيرة في الإمارة يقع في منطقة (ديرة) التاريخية في دبي ويعتبر مكانا رئيسيا للتجارة التقليدية والتبادل التجاري ويشتمل على محلات تبيع بالجملة والمفرق مختلف أنواع السلع والبضائع والأجهزة المستوردة من الهند والصين وإيران وتايلاند وهونغ كونغ وتايوان لا سيما البخور والعطورات والأعشاب والبهارات الشعبية الهندية ذات الاستخدامات التقليدية في عموم منطقة الخليج إضافة إلى الملابس والأقمشة والسجاد والحقائب والمستلزمات المنزلية والإلكترونيات.
ومع ظهور أسواق أخرى شبيهة له أو مختلفة عنه في دبي وسط الأبراج الشاهقة وعلى الرغم من انتشار المجمعات التجارية الفخمة والمريحة في مختلف أرجاء هذه الإمارة التي تسابق الزمن في كل شيء فإن سوق (مرشد) ظل محافظا على طابعه التقليدي الخاص يتحدى الأسواق الأخرى في جذب المواطنين والوافدين والسياح من مختلف الأعمار والطبقات والجنسيات والتفنن في عرض السلع من خلال الدكاكين المصممة بطريقة تبرز الملامح العمرانية القديمة لدبي.
ويتميز السوق بتاريخه الطويل وتنوع بضائعه وتوفر مجموعة متنوعة من المنتجات التقليدية مثل الأقمشة والعطور والمجوهرات والأدوات المنزلية والهدايا التذكارية مما يجعله وجهة شهيرة للتسوق كما يعتبر مكانا يحافظ على التراث والثقافة التقليدية لدبي ما يجذب الزوار الراغبين في تجربة الثقافة والتراث المحلي.
ويتضمن سوق (مرشد) للجملة العديد من الأسواق الفرعية التابعة له ومنها سوق (مرشد) للأقمشة وسوق (مرشد) للعبايات وسوق (مرشد) للجلابيات وسوق (مرشد) للأواني المنزلية وسوق (مرشد) للبخور والعطور والذهب. (النهاية) س خ م / م ع ع